
د / محمد منصور
أحياناً أوجه لنفسي أسئلة لا أنتظر إجابات عليها لأنه لا أحد يهتم بإجابة هذا النوع من الأسئلة التي تهجم على رأسك حين تكون سارحاً متأملاً في الملكوت .. لكنني مع ذلك اتخذها فرصة لتأملها ومحاولة وضع إجابة مقبولة لها .. وقد سألت نفسي على سبيل المثال ، لماذا نجد في اللغة الانجليزية حين نوجه خطاباً لمخاطب نقول له You .. سواء كان ذلك المخاطب رجلاً أو امرأة أو رجلين وامرأتين أو مجموعة من هؤلاء أو أولئك ؟ هل هي عبقرية اللغة التي مكنت الناطقين بالانجليزية من استخدام لفظ شديد القصر للتعبير عن عدة مواقف أو استعجال أهلها في إنجاز الحديث أم أن المسألة لدينا دافعها الثراء والفراغ ؛ ثراء العرب الذي كان يدفع العربي القديم إلى نحر ناقته أو حصانه من أجل أن يطعم ضيفاً واحداً حلَّ بخيمته!.
تصوروا ناقة كاملة من أجل ضيف واحد !.فلاعجب إذن أن يتصرف العربي في الأبجدية بحيث يضع بضع مفردات لنداء اختصره الانجليز في ثلاثة حروف You لتصبح هذه الحروف الثلاثة : أنتَ ، أنتِ ، أنتما ، أنتم، أنتن فهل هذا هو الثراء، أم أنه فرط فراغ وتنطع ؟.. لكنني مع ذلك وبشئ من التروي في الحكم قد وجدت بعض الوجاهة في الأمر ، إذ من السهل على العربي أن يحدد جنس المخاطب بمجرد النظر فيعرف من يخاطبه بأنتَ ومن يخاطبها بأنتِ، بينما في الغرب يمكنك وأنت مطمئن أن تقول You دون حرج لأنني كثيراً ما أرى أشخاصاً لا أعرفهم وربما تحدثت إليهم عرضاً ثم بعد أن ينصرفوا أسأل نفسي .. ترى أكان هذا الذي تحدثت إليه رجلاً أم امرأة؟! ثم أحمد الله أن ليس لديهم تلك المفردات التي لو وجدت عندهم لأوقعتنا في الحرج وربما جلبت لنا المشاكل . ولايتوقف الأمر عند ضمير المخاطب فقط الذي يتفرع كما رأينا لحزمة من الضمائر يناسب كل منها مخاطباً بعينه واحداً أو اثنين أو أكثر من ذلك
وفي مقابل هذا الإسهاب في استخدام ضمائر المخاطب لدينا على العكس حكمة بالغة في استخدام تاء التأنيث التي تختصر الكلام وتحصره في كلمة واحدة تعبر عن الجنس بدقة فعندي مثلاً قط وقطة وعند صديقي كلب وكلبة ولذلك حين أتحدث عنهما بلغة أجنبية أو يتحدث صديقي عن كلابه فلابد أن نضيف كلمة إضافية لتحديد جنس الحيوان المقصود بالضبط فلكي أقول مثلاً ” قطي” فإن من اللازم بالضرورة أن أقول قطي الذكر أو قطتي الأنثى ( my female cat or my male cat. ) ومثل ذلك لو أردت أن أشير إلى طبيبي أو طبيبتي. إن تاء التأنيث تحدد الجنس وهي ميزة تختص بها اللغة العربية دون غيرها.
ولايتوقف إبهار اللغة العربية عند الإسراف في الألفاظ أو التقتير فيها وإنما يشمل أيضاً تلك القدرة الفائقة على اختصار الجمل الطويلة في كلمة واحدة ومثال ذلك كلمات وردت في القرآن الكريم ككلمة ” فسيكفيكهم” التي تختصر عبارة طويلة بكلمة واحدة فالفـاء حرف استقبال، (سـ) حرف للاستقبال للقريب، (يكفي) من الكفاية، (كـ) ضمير يخاطب النبي ﷺ، (هم) ضمير يعود على الكفار أو الأعداء، والمعنى أن الله سيجعلهم لا يضروك.هكذا بكلمة واحدة اختصرنا عبارة طويلة أو كلمة ” أنلزمكموها” التي يمكن تفكيكها إلى : الهمزة (للاستفهام) + نلزم (الفعل) + كم (ضمير المخاطبين) + ها (ضمير الغائب يعود على البينة/الهداية). وهي كلمة واحدة تختصر جملة كاملة تعبر عن عدم الإلزام بفعل سبق ذكره في السياق
.أما المترادفات في اللغة العربية فمبحث يطول الكلام فيه ويتشعب ويحتاج مقالاً طويلاً للإحاطة بها والغوص في أسرارها ، يكفي أن نعرف أن اللغة العربية تتميز بثراء هائل، حيث يبلغ عدد أسماء ووصف الأسد على سبيل المثال نحو 500 اسم، بينما تفوق أسماء الخيل ومسمياتها المئة، وتتنوع لتشمل صفات، أنواع، وأعمار الخيل. تعتبر هذه الأسماء صفات دقيقة تصف القوة والشجاعة في الأسد، أو صفات السرعة والجمال في الخيل.
هكذا يتبين لنا أن حيوية اللغة العربية لاتكمن فقط في قدرتها على الاختصار أو في الإسهاب وإنما في تلك القدرة على اختصار معنى كبيراً في كلمة واحدة وربما في حرف واحد ، في ذات الوقت الذي يمكنها من إدراك المعنى الواحد بأكثر من لفظ وعلى أكثر من صورة.