
عادل صليب
فى بيته الجميل فى مدينة نابولي السياحية ثالث مدن ايطاليا التى تقع فى الجنوب جلس الاب مارسلينو فى بيته الذى يطل على ساحل البحر الابيض المتوسط كعادته فى المساء ينظر من نافذة حجرته عبر الافق الى مياه البحر المتلاطمة تعلو وتهبط وترغو وتزبد وانوار مياه السفن والقوارب تروح وتغدو ترسل سفاراتها تبغى الرحيل او الرسو على شواطىء الميناء..
على منضدة صغيرة وضعت عليها المجلات وجرائد اليوم حيث يقوم بتصفحها الراهب كل يوم مساء بعد الانتهاء من الصلوات فى كنيسته الاثرية التى لاتبعد كثيرا عن بيته ..
تصفح المجلة تلو الاخرى والجريدة بعد الاخرى وتصلب بصره على اعلان فى احدى الجرائد واسعة الانتشار فى كل ايطاليا واخذ يقرأ فى يوم العاشر من ابريل القادم سوف يكون موعدى مع الموت بسلام وكرامة سوف ابداء رحلتى حيث ما ابتغى وما خططت له من سنة تقريباً
اودع زوجتى وابنائى وجميع اصدقائى وسوف ابدا فى تلقى العزاء والمواساة فى يوم الاول من ابريل حتى الخامس من نفس الشهر لالقى النظرة الاخيرة على الاصدقاء والاحباء والجيران .
رومانيا فاليريو
كان الاعلان بالبنط العريض ينتهى بصورة السيد فاليريو وهو فى السابع والثلاثين من عمره ..
ضرب الاب مارسلينو الطاولة بيده والقى بالجريدة جانباً وهو يتمتم لقد فعلها فاليريو
فى الصباح الباكر استقل الاب مارسلينو سيارته قاصدا بيت صديقه فاليرو الذى يعيش فى نفس مدينته على بعد عشرة دقائق بالسيارة
كان فاليرو ملياردير معروف ومتبرع سخى لكثير من الجمعيات الخيرية التى تخدم الفقراء والمرضى والمعوزين
هاله كميات السيارات التى تحيط بقصر الرجل فى هذا الوقت المتقدم من اليوم فقد كان محبوباً من الجميع..
كان فالريرو مستلقي على فراشه فى حجرة واسعة جداً تحيط براسه ضمادات كثيرة بيضاء وكذلك عددا ليس بقليل من المودعين
ما ان شاهد الاب حتى مد يده ليتلقفها الب المبارك ويلف يده حول راسه الملفوف بالضمادات الكثيرة وهو يتمتم بصلاة من اجله وهو ينظر فى عينيه ويقول ” لاباس ياعزيزي الرب قادر والغير مستطاع عند الناس مستطاع عند الرب “
ارخى الليل بستره وغادر المودعين المنزل بعد ان القوا نظرة الوداع على الرجل ولم يتبق فى الحجرة الا الاب وزوجته واولاده نظر اليه الاب نظره عتاب
– لماذا فاليرو ؟
– لقد قررت ابى .. ليس لك الحق
نظر فاليرو الى زوجته التى اخذت اولادها وخرجت واستطرد الاب “ليس من حقك انهاء حياتك ياسيدى فقد دخلت للحياة بغير ارادتك ويجب ان تخرج بغير ارادتك روحك ليست ملكك فهى ملك الذى اعطاها الرب ارجوك فكر فى الامر مليا يمكنك التراجع”
وبينما الاب يتكلم اخذ يمسك راسه بعصبية وهو يصرخ صرخات رعدية متتالية .
دخلت زوجته واولاده والطبيب المقيم معه باستمرار وتم حقنه ببعض الحقن سريعة المفعول جعلت الرجل يغيب عن الوعى
كانت الشمس تاخذ طريقا داخل الغرفة تتسلط على دماغه التى كانت مهشمة منفصلة عن جسده الكثير من الطباء ومساعديهم ذو الملابس الخضراء والاقنعة معهم مناظيرهم ومناشيرهم يعملون على قدم وساق استبد بهم الياس وهم يتكلمون هذه ثالث مرة يستاصلون الورم ثم يعود اكثر شراسة وقوة ..
نظر فشاهدهم يتمتمون فيما بينهم. خرج كبيرهم للخارج ثم عاد معه راس اخرى جديدة هى بعينها راسه رفعها الى اعلى منتشيا
كانت زوجته واولاده معهم نظروا الى الراس الجديدة وظهرت عليهم علامات النصر والرضا ، اشارت زوجته اليهم ان يلقوا بالراس المهشمة بعيداً ويضعو الجديدة مكانها ، وفعلاً اخذوا يخيطون ويوصلون الراس بالجسد ساعات طويلة وهم يتمتمون ليس لنا بديل اخر لم تعد لها نفع يذكر
“لن تكون هناك اورام بعد الان لن تكون هناك اورام بعد الان ” هكذا صرخ رئيس الاطباء وخبط المنضدة بجاكوش العمليات عدة مرات. صرخ فاليريو وقام وذلك بعد حوالى عشر ساعات من اخذ الحقن مستيقظاً ينظر حوله بهلع حيث هرولت اليه زوجته واولاده يحتضنونه
فى يوم السادس من يناير استعد فاليريو وزوجته وابنه وبنته وطبيبه الخاص الى رحلته الى ديغنيتاس فى الاراضى السويسرية وبالاخص فى مدينة بازل التى تعود الى العصور الوسطى كان قد اتم كل شىء من شهور وتم نقل ملكية شركاته واصوله وقصوره وسياراته وكل مايملك الى زوجته واولاده وتم توثيق كل شىء بواسطة محاميه ..
كل الاطباء اخبروه ان مرضه الخبيث ميؤوس من شفاءه وليس امامه الا شهور يقضيها فى العذاب بين الحين والاخر ..
كان يحب ان يذهب بالقطار كما كان يفعل فى الايام الخوالى ويستمتع بالمناظر الساحرة لاخر مرة فى حياته وهي تجربة تشبه الحلم: أنت على متن القطار الذي يمر عبر المناظر الطبيعية السويسرية المذهلة؛ أكوام القش والمزارع والقرى الصغيرة ذات الأبراج الشاهقة والجبال البعيدة المتوجة
بالضباب والمناظر الطبيعية الأخرى التي لم تشاهد مثلها من قبل. وفجأة، يحل الظلام ولكنك تبقى تتحرك بسرعة 150 ميلاً تقريبًا في الساعة، ولكن لا يمكنك رؤية المكان الذي تتجه إليه.
وكانت تستغرق رحلة السفر عن طريق عربات القطار من مدينة ميلانو الى بازل التي تعود إلى القرون الوسطى وتقع في شمال غربي سويسرا بالقرب من الحدود الفرنسية والألمانية إلعبر جبال الألب. وكانت الرحلة تستغرق اكثر من ٣٥ ساعة.
هكذا ركب فاليريو قطاره هو ومن معه مستمتعا مناظر طالما شاهدها لكن هذه المرة مختلفة بهرته حبال الالب وهى مكسوة بالخضرة فى هذا الفصل الجميل فصل الربيع .
تحسر وهو يتاوه لماذا لاتموت فى بلدى وعلى فراشى ؟ ولماذا فى ايطاليا يمنعون الناس ولايصرحون بتللك العيادات التى تنتشر فى سويسرا ؟
وتذكر ابن بلده منذ عام تقريبا الموسيقار الإيطالي «فبيانو أنطونياني» الذي انهى حياته في سويسرا أيضًا عام 2017 . فبيانو فقد نظره، وأصيب
بالشلل الرباعي، جراء حادثة سيارة عام 2014. في السنوات الثلاث بين الحادثة وموته ناشد البرلمان الإيطالي 11 مرة الموافقة على السماح له بالموت، لكن طلبه رُفض في كل مرة، فقرر الذهاب إلى سويسرا. الى عيادة ديغنيتاس ..
دارت حياته امامه كفيلم سينمائي تذكر حياته مع زوجته الجميلة لارا التى كانت زميلته فى الجامعة اه من تلك اليام الخوالى حيث كان يتمتع بالصحة والعافية قبل ان يهاجم عليه الاخطبوط المخيف ويقلب حياته راسا على عقب تاوه وهو يتذكر فاحتضنت راسه زوجته المخلصة التى حاولت كثيرا ان تمنعه دون جدوى ..
كان قد رتب كل شىء منذ سنة تقريباً عندما اصبح عضوا فى الجمعية السويسرية ووقع على كل الوراق المطلوبة وحدد له الموعد حيث النهاية
بدأ القطار يهدىء من سرعته حيث ظهرت مدينة بازل بمبانيها القديمة وكنائسها القوطية الرائعة . كانت هناك سيارة ليموزين كبيرة فى انتظاره
مع اربعة رجال مهندمين ببدل كاملة واربطة عنق بيضاء كانوا اعضاء فى الجمعية استقبلوه استقبال وزير واستقلوا جميعا السيارة حيث من
العيادة الخاصة ديغنيتاس حيث كانت على ربوة عالية تحيط بها الجبال الخضراء من كل جانب تم الترحيب به وزوجته وابنه وبنته الذى كانا فى العقد العاشر من عمرهم والطبية الخاص بالسيد فاليريو الذى بذل مجهودا جبارا ليكون فى حالة طبيعية فى ساعاته الاخيرة ليستطيع توقيع الأوراق
النهائية والاجابة على اسئلة الدكاترة كما تقتضيك تعليمات العيادة ..
كانت العيادة يغلب عليها اللون الوردى بها سرير وعدة كراسى ومنضدة صغيرة .بات السيد فاليريو ليلته برفقة زوجته اما الطبيب والولاد فقضوا ليلتهم فى مبنى محاور للمرافقين.
فى الصباح فى تمام الساعة المتفق عليها دخل اثنين من الاطباء حيث السيد فاليريو وكذللك وممرضة وكانت زوجته واولاده وطبيبه الخاص
قال الطبيب مخاطباً السيد فاليريو بع ان وقع على بعض الوراق ” الان ياسيد فاليرو هل انت مستعد “
اجاب الرجل ” نعم “
– سوف نعطيك عقار سينهى حياتك وكذلك حقنة ستوقف دقات قلبك
هل انت موافق ؟
اجاب الرجل ” نعم “
قدمت له الممرضة العقار فتلقفه فاليرو على الفور وزوجته تحضنه وابنه يمسك بيده اليسرى وبنته بيده اليمنى ثم حقنه الطبيب بحقنة النهاية
وماهى الا دقيقة واحدة راح فاليرو فى سبات عميق لن يفيق منه ابداً