Find Articles

قبلَ الحادِث

قبلَ الحادِث

مها الخواجه

في موعدِ زيارةِ طبيبِ العُيونِ للكشفِ والاطمئنانِ على ابني، اصطَحَبْتُ أَخاهُ الصغيرَ -ذا الأربعةِ أشهرٍ-، وأثناء انتظارنا للطبيبِ بدأً صغيري يبكي جوعًا، فأشارَتْ عليَّ المُمرِّضةُ بالدُّخولِ إلى حُجرةِ الانتظارِ لإرضاعِه حتّى يَحينَ دَورُنا. لم تكد تمضي خمسُ دقائقَ على بدءِ صغيري في الرضاعة، حتى جاء الطبيب. نادتني الممرضةُ أن أتهيّأ، فانتزعتُ صغيري من حضني على عَجَلٍ قبل أن يُكمِل، فبكى… بكى بحرقةٍ، حاولتُ أن أواسيَه بنظرةٍ، بكلمةٍ، بأيّ شيءٍ دون جدوى، لكنّ الممرضةَ طلبت أن أتركه معها لتُسكته، حتى لا يُزعجَ الطبيبَ ويتمكّن من أداءِ عمله. تردّدتُ، كان قلبي يصرخ، غير أني استسلمتُ وتركتُه معها بعد أن أوصيتُها عليه، فأنا أعرفها منذ سنواتٍ… وأثق بها، لكنّ شيئًا في داخلي كان يتمزّق. أثناءَ الكشفِ، كنتُ أسمعُ صوتَ طفلي يَبكي، وقلبي يكادُ يَنفطِرُ عليه، يَتَقافَزُ القَلَقُ على مُحيّاي، أَدعو اللهَ أن يُنجِزَ الطبيبُ عملَهُ بسرعةٍ حتّى أخرجَ وأَضُمَّهُ بين ذِراعَيَّ. في هذهِ الأثناءِ، رنَّ الطبيبُ الجَرَسَ لاستدعاءِ المُمرِّضةِ لإبلاغِها بطلبٍ ما، فَتَهَلَّلَ وجهي وتوقَّعتُ أن تَدخلَ حاملةً طفلي فأتلقّاهُ منها، لكنّها عندما دخلتْ لم تكنْ تَحمِلُه، فبادَرتُها مذعورةً: أينَ ابني؟ فأجابَتْني بأنّها تركَتْهُ مع امرأةٍ بالخارجِ! خرجتُ مُسرِعةً أَبحثُ عنه، فلم أَجدْهُ مع أحدٍ من الجالسينَ، ولم أعدْ أَسمعُ صوتَ بكائِه، أمسكتُ بيد أخيه واندفعنا نحوَ بابِ العيادةِ، كنت أَنهبُ السُّلَّمَ قفزًا، أَتلفَّتُ باحثةً عن تلكَ المرأةِ وعن صغيري، أَجري، تَتسابقُ خُطواتي، يَكادُ قلبي يَقفزُ خارجَ صدري مِن فَرطِ ذُعري، حتّى لمحتُها وهي تَخرجُ من بابِ المبنى، تَحمِلُه بينَ ذِراعيها، تَضغَطُ وجهَهُ في صدرِها لِتَكتمَ صوتَ بكائِه. لا أَعلَمُ ما الذي حدثَ لي وقتَها، سوى أنَّني قفزتُ الطريقَ مُنقضَّةً عليها، مُنتزعةً طفلي مِن بينِ ذراعَيها، أَصرُخُ فيها: هذا ابني! إلى أينَ تَأخذينَهُ؟ توقَّعتُ أن تَرُدَّ عليَّ، أو أن تَجذِبَهُ منّي مرّةً أُخرى، جَهَّزْتُ دِفاعاتي ضدَّها بالصُّراخِ، لكنّها ارتبَكَتْ وفَرَّتْ مِن أَمامي، لأقومَ باحتِضانِه، كأنّي أُخبِّئُهُ بينَ ضُلوعي، وأَنهارَ بُكاءً. عُدتُ يومَها إلى منزلي أَحتضِنُ وَلَدَيَّ، وأنا أَسألُ نفسي في ذُهولٍ: ماذا لوِ اختَفَتْ تلكَ المرأةُ بصغيري ولم أَرَهُ مرّةً أُخرى؟ سَجَدْتُ للهِ شُكرًا، وأنا أُردِّدُ: لو عادَ بيَ الزّمانُ لِقَبلَ الحادِثِ بعشرِ دقائقَ؛ ما تركتُ طفلي مع أحدٍ مُطلقًا.

TNnews

1 comment on “قبلَ الحادِث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *