
فوزى نجيب
قصة واقعية تدور احداثها فى مدينة الإسكندرية
فى قطار الدرجة الثالثة جاء شحاته الحافى من قرية فى اقاصى الصعيد ، يحمل معه قفة مليئة بالعيش الشمسى وبلاص عسل أسود وأخر مش وجبنه قديمه وصفيحة ملوحه وأخرى أصغر منها بها سمن بلدى ( وصرة بها خلجاته ) جاء من وجه قبلى الى وجه بحرى قاصداً الاسكندرية ليقيم فى أقدم الاحياء الشعبية حيث يسكن ابن عمه فى غرفة على سطح بيت قديم يشاركه فيها أربعة أشخاص . شحاته لم يفكر يوماً فى ترك قريته ، فهو يعمل مزارعاً أجيراً راضياً بحاله وفكره لم يتسع لأى طموح ولأى تغيير . ولكنه بعد أن عرف أن زوجة أبن عمه اشترت ماعزاً وعجلاً صغيراً وعدداً من البط والوز ، وبعد أن ارهقته ثرثرة زوجته وغيرتها وتحميته باللمز والغمز – شوف ابن عملك اوعى منك .. بيعمل فى البندر ” الاسكندرية ” وبيبعت قفة فلوس لمراته وأديها عماله تشترى فى بهايم وتملا ايديها دهب .. وانت قاعد تشتغل أجير للى يسوى واللى ما يسواش تحركت فيه النعرة فبدأ يهدئ من غضب زوجته وراح يقرر أمامها أنه سيسافر الى ابن عمه قاصداً الاسكندرية فانفرجت اساريرها وقررت هى الأخرى أن تبيع جوز أساورها الذهب والكردان مساهمة منها لزوجها فى رحلته المرتقبه ، وبعد أيام قليلة استعد شحاته للسفر فقام بلم ملابسه واستقل القطار المتجه الى الاسكندرية مصحوباً بدعوات زوجته بالغنيمة والتوفيق .
—————————
استقبله ابن عمه فى المحطة ومعه عربة يد حمل عليها الزاد والزواد ، ودخل شحاته المدينة حافياً فلم ينبهر بأنوارها وحضاراتها وعماراتها وشوارعها رغم أنه ولأول مرة فى حياته يرى مدينه وذلك لأن همه الأكبر كان منحصراً فى أن يعمل نهاراً وليلاً ليجمع المال وكان يعرف بالضبط ما هو العمل الذى تغرب من أجله . سكن مع ابن عمه .. لم يكن فى الحجرة سوى حصيرة واحدة وكل واحد من ستة أشخاص يلملم غطاءه فى ركن من أركان الحجرة يفرشه ليلاً ، ووابور جاز يشترك فى استخدامه الجميع وبراد شاى وقله وبضعة اكواز من المعدن مخصصة للشرب . . وبدأ شحاته فى البحث عن عمل ووجد العمل الذى يستهويه فى عمارة على شاطئ البحر تُبنى حديثاً يحمل الطوب والمونه والزلط والرمل على السقالات الى الدور الذى يجهز للبناء .
كان شحاته لا يضع حذاء ولا صندل فى قدميه ويسير حافياً حتى تكونت طبقة خشنة من الجلد فى أسفل باطن قدميه افقدته الاحساس حتى اطلق عليه اسم شحاته الحافى . تعلم شحاته كيف تخلط مواد البناء مع بعضها لتكون خرسانه مع الحديد حتى أنه اصبح يعرف جيداً كيف تبنى البيوت . لم يصرف شحاته مليماً فى ملبس أو مأكل أو دخان ، كان همه بالدرجة الأولى هو جمع المال ، واشترى أول قطعة أرض فى حى شعبى فبناها بنفسه فهو يعرف الآن كيف يعمل خلطة البناء وجلب معه بعض من أقاربه ليعاونوه ولم يلبث البناء أن ارتفع حتى انهالت عليه طلبات التمليك وجمع مالاً لا بأس به ، وأصبح فى مقدوره شراء أرض كبيرة قام ببناها وبنفس الطريقة وعرف كيف يجمع المال ( دخل بدون صرف ) لم يغير ملابسه ولم يغتسل إلا كل شهر مرة وخزين الطعام لم يتغير الذى حمله من قريته هو غذاءه وعشاءه ، وظل يشترى البيوت يصلحها ويبنيها حتى امتلك أكثر من ثلاثين عمارة فى أنحاء الاسكندرية ولم يستعن بأحد فهو البناء والنجار والفاعل والسباك وكان اذا استعان بأحد يمصمص فى العطاء مشتكياً ومدعياً فقره وأنه لا يستطيع شراء حذاءاً يضعه فى قدميه .
————————-
اشتهر شحاته الحافى بالبخل وجمع المال حتى أن أحدهم وصفه ” إن كان البخل رجلاً فشحاته هو هذا الرجل ” نصحه أحد أقربائه أن يضع نقوده فى البنك ، وكان البنك يرسل له خطابات يقرأها له بعض الناس الذين كان يستعين بهم وأحياناً كان لا يهتم بالخطابات حتى أن البنك أراد استدعاءه لوجود بعض الاستفسارات عن حساباته ، فأرسل البنك مندوباً ذهب الى عنوانه الذى كان يسكنه ، فوجد رجلاً أمام البيت يحاول اصلاح المجارى التى طفحت أمام البيت بملابسه المهلهله وقدميه الحافيتين وسأله أين أجد شحاته بيه ؟ فأجابه عايزينه فى أيه ؟ فرد المندوب أنت ساكن هنا ولا جايبك تصلح المجارى ؟ – فضحك شحاته وقال أنا لا ساكن ولا حد جايبنى .. أنا شحاته يا عم – فذهل مندوب البنك واندهش وقال فى نفسه .. هذا الرجل الذى له ملايين فى البنوك ويمتلك أكثر من ثلاثين عقاراً كيف أجده بهذا الشكل ..كنت أتوقع أن أجد انساناً أنيقاً فى ملابسه ، وطلب منه مندوب البنك أن يوقع على بعض الأوراق واندهش أكثر عندما سأله شحاته عن ختامة ليبصم .
شحاته الحافى عينه من عينات كثيرة تهتم بجمع الأموال بطريقة جشعه حتى انهم يعيشون فى بخل يحرمهم من الاستمتاع بالحياة وقد تكون هذه العينات أكثر نجاحاً لو عرفوا كيف يستمتعون بحياتهم ويفعلون الخير لأنفسهم ولغيرهم ولكن الحياة لا تقف مكتوفة الأيدى أمام هؤلاء فتصبر عليهم وفى النهاية تعطيهم النتائج المؤسفة .
استمر شحاته الحافى فى جشعه الذى اعمى بصيرته فلجأ الى الغش فى مواد البناء حتى لا تكلفه الكثير ويملكها بالكثير وبنى أكثر من عمارة بغير المواصفات البنائية ومنها عمارة فى محرم بك وسكن فيها هو وكل اسرته وجاء اليوم المشئوم وانهارت العمارة على كل من فيها ومات هو وكل أسرته وكانت نهاية غشه وجشعه دفنهم تحت الأنقاض ، وانتهت مأساة شحاته الحافى لكن امثاله لا زالوا يعيشون بيننا فى كل زمان ومكان .. فمن يتعظ ؟