- نوفمبر 1, 2024
- By TNnews
- 2 yr
- 0 Comments
أسرار التشافى بالفنون

د . داليا بدوي
حين تُرى المشاعر قبل أن تُفهم
ليست كل التجارب قابلة للحكي. هناك مشاعر تتجاوز اللغة، وتظل عالقة ومخزنة في الجسد والذاكرة معاً، قد ينسى العقل التفاصيل، لكن ذاكرة الجسد لا تنسى.
تبحث عن منفذٍ لا يعتمد على الكلمات.
هنا، يتقدّم الفن التشكيلي لا كزينةٍ جمالية، بل كأداة إنسانية عميقة للتشافي.
تشير ممارسات العلاج بالفن إلى أن التعبير البصري يتيح الوصول إلى طبقات من الخبرة النفسية يصعب بلوغها عبر الحوار المباشر. فعندما ينخرط الإنسان في الرسم أو التلوين، تنخفض حدة الرقابة العقلية، ويُفسح المجال لظهور محتوى داخلي أكثر صدقًا وعفوية. ليست الألوان هنا اختيارًا عابرًا، بل انعكاس لحالات شعورية كامنة؛ وليست الخطوط مجرد أشكال، بل مسارات تحمل أثر التجربة.
في هذا السياق، يصبح الفن وسيطًا بين الداخل والخارج. ما كان مبهمًا أو مؤلمًا يكتسب شكلًا مرئيًا، يمكن ملاحظته والتأمل فيه. هذه المسافة الرمزية بين الشخص ومشاعره تُعد عنصرًا أساسيًا في عملية التشافي؛ إذ تتيح له أن يرى تجربته دون أن يذوب فيها، وأن يتفاعل معها بقدرٍ أكبر من الوعي والتنظيم.
من منظور نفسي، تُسهم هذه العملية في إعادة ترتيب الخبرة الانفعالية. فالتعبير الفني لا يقتصر على التفريغ، بل يساعد على “إعادة الصياغة”؛ حيث تتحول المشاعر المبعثرة إلى بنية يمكن احتواؤها. ومع التكرار، تتعزز قدرة الفرد على التعرف إلى مشاعره وتسميتها والتعامل معها بمرونة أكبر.
وربما تكمن قوة الفن التشكيلي في بساطته أيضًا. فهو لا يتطلب مهارة تقنية بقدر ما يتطلب حضورًا صادقًا. هذه الإتاحة تُعيد للإنسان حقًا أصيلًا في التعبير، بعيدًا عن معايير الأداء والتقييم. إنها عودة إلى مساحة داخلية أكثر تلقائية، غالبًا ما ترتبط بخبرات الطفولة الأولى، حيث كان التعبير فعلًا حرًا لا مشروطًا.
التشافي بالفن، إذن، ليس مسارًا سريعًا ولا حلًا نهائيًا، بل عملية تدريجية تتكشف عبر الممارسة. وفي كل عمل فني، مهما بدا بسيطًا، يحدث تحول دقيق: جزء من التجربة يُرى، وجزء من الثقل يُخفّ، ومساحة من الوعي تتسع.
لهذا، حين يضع الإنسان فرشاته جانبًا، لا يكون قد أنجز لوحة فحسب… بل يكون قد خطى خطوة هادئة نحو سلامة نفسه.